مجلة عقول: تجربة معرفية سعودية تنقل العلم من المختبر الى حياة الناس

من المقال العلمي الى الوعي المجتمعي: قصة صعود منصة عقول في العالم العربي. مجلة عقول منصة سعودية للتواصل العلمي حققت اكثر من 12.3 مليون قراءة ونشرت اكثر من 1.25 مليون كلمة علمية بمشاركة 94 كاتبا، بمتوسط 11379 قراءة لكل مقال ونمو ربع سنوي للمشاهدات يتجاوز 81 بالمئة، لتؤكد دورها في اثراء المحتوى العلمي العربي الهادف.

مجلة عقول: تجربة معرفية سعودية تنقل العلم من المختبر الى حياة الناس
عقول بين الارقام والرؤية: كيف صنعت منصة عربية طلبا متزايدا على المعرفة العلمية


المعرفة لا تزدهر حين تكثر المختبرات فقط، بل حين تجد طريقها الى الوعي اليومي للناس، وحين تتحول الفكرة العلمية من معادلة صامتة في ورقة بحثية الى معنى حي يغير نظرة الانسان لنفسه وللعالم من حوله. هذه الفكرة كانت الشرارة التي انطلقت منها منصة عقول، لا بوصفها موقعا للنشر، بل بوصفها مشروعا ثقافيا يعيد صياغة العلاقة بين العلم واللغة والمجتمع في العالم العربي. فالتاريخ الحديث يبين ان المجتمعات التي ازدهرت علميا لم تكن فقط تلك التي تنتج الابحاث، بل تلك التي تنجح في تحويل المعرفة الى خطاب عام، كما حدث في اوروبا عصر التنوير حين لعبت المجلات العلمية الشعبية دورا محوريا في نقل العلم من الجامعات الى المقاهي والصالونات الفكرية.

منذ انطلاق اول مقال في عقول عام 2021، لم يكن الهدف مجرد اضافة منصة جديدة الى فضاء مزدحم بالمواقع، بل بناء جسر حقيقي بين الباحث والقارئ، بين التخصص الدقيق والحياة اليومية. وهذا التوجه يعكس فهما عميقا لطبيعة الفجوة المعرفية في العالم العربي، حيث تشير دراسات اليونسكو الى ان المشكلة ليست في غياب البحث العلمي فقط، بل في ضعف قنوات نقل المعرفة الى المجتمع بلغة مفهومة ومقنعة. من هنا جاءت عقول كمحاولة واعية لردم هذه الفجوة، عبر نصوص علمية تحترم عقل القارئ دون ان تثقل عليه، وتبسط الفكرة دون ان تفرغها من عمقها.

الارقام التي حققتها عقول خلال سنوات قليلة تكشف ان الفكرة لم تكن مجرد طموح نظري، بل تجربة حية استطاعت ان تلامس حاجة حقيقية في المجتمع. فقد تجاوز اجمالي الكلمات المنشورة في المنصة 1.25 مليون كلمة باللغة العربية، وهو رقم يعكس حجم المحتوى العلمي المنتج محليا، لا المترجم ولا المنقول. هذا الحجم من الانتاج المعرفي يشبه في دلالته ما تسميه نظرية الاقتصاد المعرفي “تراكم رأس المال الفكري”، حيث يصبح المحتوى نفسه اصلا استراتيجيا يراكم اثره بمرور الوقت.

لكن القيمة لا تقاس بحجم الكلمات فقط، بل بمدى وصولها وتأثيرها. وهنا تظهر دلالة رقم اخر: اكثر من 12.3 مليون قراءة لمقالات عقول خلال الفترة من 2021 الى 2025، بمتوسط يقارب 11379 قراءة لكل مقال. هذه الارقام لا تعكس فقط انتشارا رقميا، بل تشير الى ما يسميه علماء الاتصال “الطلب الكامن على المعرفة”، وهو ذلك التعطش الذي لا يظهر في الاستبيانات، بل يتجلى في السلوك الفعلي حين يجد القارئ محتوى يحترم عقله.

اللافت في تجربة عقول ليس فقط حجم القراءات، بل سرعة النمو. فقد سجلت المنصة معدل نمو مركب ربع سنوي للمشاهدات بلغ 81.28 بالمئة، ومعدل نمو لكفاءة المحتوى بلغ نحو 66.96 بالمئة. هذه المؤشرات تقترب من نماذج النمو التي نراها في الشركات التقنية الناشئة، لا في المجلات الثقافية التقليدية، وهو ما يكشف ان المحتوى العلمي العربي يمكن ان يتحول الى منتج عالي الجاذبية اذا صيغ بلغة انسانية واضحة. وتؤكد دراسات اقتصاد الانتباه ان الجمهور لا يهرب من العلم، بل يهرب من اللغة المعقدة التي يقدم بها.

اما على مستوى الكتّاب، فقد شارك في المنصة 94 كاتبا على الاقل نشر كل منهم مقالا واحدا او اكثر، وهو رقم يعكس تنوع الاصوات العلمية المشاركة. هذا التنوع ليس مجرد رقم، بل تجسيد لفكرة ديمقراطية النشر التي قامت عليها عقول، حيث لا يحتكر المنبر اسم واحد ولا تخصص واحد. فالتاريخ الثقافي يبين ان ازدهار المعرفة يرتبط دائما بتعدد الاصوات، كما حدث في مجلات النهضة العربية في القرن التاسع عشر التي جمعت اطباء وادباء ومهندسين في فضاء فكري واحد.

التوزيع الموضوعي للمقالات يعكس ايضا فلسفة المنصة. فهناك حضور قوي لمقالات الطب والصحة، والعلوم الادارية والاقتصادية، والعلوم الاجتماعية، والصحة النفسية، والطفل والتربية، الى جانب اقسام متخصصة في التقنية والفيزياء واللغة والثقافة. هذا التنوع يشبه ما تسميه نظريات المعرفة المعاصرة “التفكير متعدد التخصصات”، حيث لا تنمو الفكرة في عزلة، بل في التفاعل بين مجالات مختلفة.

ومن بين الاقسام اللافتة ايضا قسم “العالم الصغير” الذي قدم 164 مقالا لتبسيط العلوم للاطفال، وهو مؤشر على وعي استراتيجي بان بناء الثقافة العلمية يبدأ من الطفولة. وقد اظهرت دراسات التربية العلمية ان التعرض المبكر للعلوم بلغة مبسطة يزيد من احتمالية اختيار المسارات العلمية في المستقبل، ويعزز ما يسميه علماء النفس “الهوية المعرفية” لدى الطفل.

ما تقدمه عقول اليوم يمكن فهمه بوصفه تجربة سعودية في صناعة خطاب علمي عربي معاصر، لا يستورد لغته ولا يستعير هويته. ففي زمن تهيمن فيه المنصات العالمية على المحتوى، تصبح المبادرات المحلية ذات الرؤية الواضحة ضرورة ثقافية لا ترفا فكريا. وتشير نظريات القوة الناعمة الى ان اللغة العلمية ليست اداة معرفة فقط، بل اداة نفوذ حضاري ايضا، لان من يملك لغة العلم يملك القدرة على تفسير العالم للآخرين.

لهذا تبدو عقول اكثر من مجرد مجلة رقمية. انها تجربة تحاول ان تعيد تعريف مكانة المقال العلمي في الثقافة العربية، وان تحول المعرفة من خطاب نخبوي الى ممارسة يومية. فالارقام التي حققتها المنصة خلال سنوات قليلة ليست مجرد مؤشرات نجاح، بل اشارات الى ان العقل العربي حين يجد خطابا يحترمه، فانه يستجيب له بسرعة وعمق.

وهكذا يمكن القول ان عقول لا تمثل فقط منصة نشر، بل مرحلة جديدة في تاريخ التواصل العلمي العربي، مرحلة تنتقل فيها المعرفة من الهامش الى المتن، ومن الصمت الاكاديمي الى الحوار المجتمعي، ومن النصوص المغلقة الى الوعي المفتوح. وفي عالم تتزايد فيه التحديات العلمية والتقنية، قد تكون مثل هذه المبادرات هي الفارق الحقيقي بين مجتمع يستهلك المعرفة، ومجتمع يصنعها ويعيد تشكيلها بلغته الخاصة.